النويري

75

نهاية الأرب في فنون الأدب

كأنّها تنظرها عيانا ، وطرأ عليها من الحوادث التي أوضحت لها طريق الصواب وبيّنته تبيانا ؛ ولما منحته من أصالة رأيها ، واستفادته بجميل سعيها . ولذلك قال علىّ ابن أبي طالب رضى اللَّه عنه : رأى الشيخ خير من مشهد [ 1 ] الغلام . ومن أمثالهم « زاحم بعود أودع » [ 2 ] . قال بعض الشعراء : لئن فقدوا الشباب فربّ عقل أفادوه على مرّ الليالي خبت نار الذكاء فأجّجوها بآراء أحدّ من النّصال وقد عدل قوم عن ذلك ، وسلكوا في خلافه أوضح الطَّرق وأنهج المسالك ؛ وقالوا : بل رأى الشباب هو الرأي الصائب ، وفهمهم الفهم الثاقب ؛ ونجم سعدهم الطالع ، وسحاب جدّهم الهامع ؛ وإن لهم من الفطنة أوفر نصيب ، وإنّ سهم رأيهم الرائش [ 3 ] المصيب ؛ وإن عقولهم سليمة من العوارض ، وأذهانهم آخذة بحظ وافر من الغوامض . ولذلك قالت الحكماء : عليكم بآراء الأحداث ومشورة الشبّان ، فإن لهم أذهانا تفلّ القواصل [ 4 ] ، وتحطَّم الذوابل . وقالوا : آراء الشّباب خضرة نضرة لم يهتصر [ 5 ] غصنها هرم ، ولا أذوى زهرتها قدم ، ولا خبا من ذكائها بطول المدّة ضرم . قال شاعر : عليكم بآراء الشّباب فإنّها نتائج ما لم يبله قدم العهد فروع ذكاء تستمدّ من النّهى بأنور في اللَّاءواء [ 6 ] من قمر السعد

--> [ 1 ] كذا في عيون الأخبار ، وفى الأصل : « من جلد الغلام » . [ 2 ] كذا في مجمع الأمثال للميدانى ، وفى الأصل : « أو فدع » بزيادة الفاء . والعود : المسنّ من الإبل ، أي لا تستعن إلا بأهل السن والتجربة في الأمور . [ 3 ] الرّائش : السهم ذو الريش . [ 4 ] قواصل جمع قاصل ، والقاصل : السيف القطاع . [ 5 ] يهتصر الغصن : يعطفه ويكسره من غير انفصال . [ 6 ] اللأواء : الشدة .